فطر الله سبحانه وتعالى النفوس البشرية على حب المظاهر والتنافس عليها فقال سبحانه (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب) .. فبرغم وصف الآية لهذه المظاهر بأنها مجرد متاع زائل كما في ختامها وغيرها من الآيات الشرعية والعقلية في الشريعة الإسلامية وسائر الأديان حتى بعد تحريفها إلا أن الناس لايفتأوا أن تكون وجهتم شطرها .. وتتمثل هذه المظاهر في بريق السلطة والنفوذ والقوة والمال والعلم والحضارة والمدنية والتطور وغيرها .. ولذلك كانت المظاهر من أشد الأخطار على أديان الشعوب وثقافاتهم وانتماءاتهم وولاءاتهم وقد حكى سبحانه تأثير المظاهر في إلماحة سريعة بقوله (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفاً...) فأخبر سبحانه في هذه الآية أن الأصل أن مظاهر الدنيا بأنواعها هي للكفار ولكن اقتضت حكمة الله ورحمته أن يقسمها بين عباده الصالحين والمفسدين إذ يعلم سبحانه أنه لو خصها بالكفار لكان الناس كلهم أمة واحدة على الكفر بسبب هذه المظاهر.
من الحصافة أن يهتم أهل الخير بكافة أطيافهم بالمظاهر وأن يهتموا بكل جزئياتها .. فالمظاهر سلاح ذو حدين فليست شرا محضا ولكن بحسب ما وجهت له .. ولقد ضرب الله لنا في القرآن أمثلة واقعية على تأثير المظاهر على نفوس البشر فكانت بعضها داعية إلى الخير كما هي مظاهر ملك سليمان عليه السلام فبعد أن دخلت بلقيس قصر الزجاج رفعت عن ساقيها ظناً منها أنها دخلت لجة البحر عندما رأت الماء تحت قدميها فأخبرها سليمان بأنه صرح من زجاج فأعلنت إسلامها كما حكى عنها بقوله سبحانه (قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت ربي إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) .. وبعضها داعية إلى الشر وذلك نجده في دعاء موسى عليه السلام الذي يصور حجم المأساة التي عاناها من مظاهر فرعون التي صرفت الناس عن دعوته فلم يؤمن معه إلا القليل فقال سبحانه (وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم).
وفي عصرنا الحاضر تعاني الشعوب الإسلامية من شدة وطأة مظاهر الحضارة المدنية الغربية .. فدائما ما نسمع النداء من علماء هذه الأمة لاجتناب المعاملات الربوية أو التشبه بالغرب في اللبس أو تقليدهم في عاداتهم على سبيل المثال وهذه النداءات نظيره للنداءات التي قام بها الرهبان والقساوسة عصر الخلافة العباسية في الأندلس عندما كانت بلاد الأندلس مشعلاً للحضارة يتوافد عليها شباب أوروبا لينهلوا من العلوم والمعارف .. حتى أوردت بعض المصادر الأجنبية واصفة الحضارة الإسلامية في أبهى صورة .. وذلك أن الخليفة هارون الرشيد أهدى لملك الفرنجة ساعة تعمل بالضغط المائي وعند حلول كل ساعة تسقط من الساعة كرات معدنية - بعدد توقيت الساعة – على صفيح معدني محدثة صوت أشبه بالرنين ويخرج من الساعة مجسمات لفرسان - بعدد توقيت الساعة - فتدور هذه المجسمات حول الساعة ثم تعود للدخول فيها مرة أخرى .. فأُبهر ملك الفرنجة وحاشيته بهذا الاختراع ولكن بيت رهبان القصر شرا لهذا الاختراع لئلا يذيع صيته فتزداد مظاهر المسلمين قوة لدى شباب أوروبا فتزداد انتماءاتهم للدولة الإسلامية فقاموا ليلا بضرب الساعة بالبلط زاعمين أن بالساعة شيطان .. وقد طورت هذه الساعة زمن المأمون فكانت تعمل على الأثقال أو ما يسمونه في عصرهم بالحيل الهندسية وهو بذاته علم الميكانيكا في عصرنا الحاضر.
بل إن تأثير المظاهر ليس شرطا أن يكون من أمة أو دولة أو فئة بل حتى على مستوى الأفراد .. فلبريقه تأثير على من حوله فما أن تجد فرداً يولى منصبا في دائرة من الدوائر حتى تجد عدداً من أقرانه وأنداده يسارعون للدخول في هذه الدائرة تحت أي مسمى وظيفي وإن لم ينالوا ما ناله بل ويصل الأمر أن يقلدوه في بعض ما يتميز به من الصفات وكذلك من حاز مالا وفيرا وقد ظهرت آثاره عليه تجد عددا من الأفراد في مجتمعه قد سلبت ألبابهم بشخصيته علانية والبعض قد أخفى ما في قلبه وإن كان الباطن خلاف الظاهر.
وربما تساءل البعض عن الفائدة في المظاهر الفردية .. ولعل من أهم فوائدها ثبات الشخص على مبادئه وقيمه بالرغم من الشدة التي قد يتعرض لها ويمتحن بها .. ويدلل على ذلك حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أول عهده عندما كان في سبيل دعوته لا منصب له ولا مال في مقابلة كبراء قريش وأغنيائهم فقال جل في علاه لمحمد (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً).
كذلك تأثير الشخصية ذات المنصب أو المال أو الشهرة على نفسية الخصم أو المدعو .. ولعل أقرب مثال لذهني هو ما ذكره الشيخ محمد العريفي عندما اتصلت به امرأة تشتكي ابنها لتركه الصلاة بالرغم من نصيحتها له .. فطلب الشيخ رقم الابن وأرسل رسالة نصيحة وذيلها باسمه .. فبادره الابن قائلا باللهجة العامية (اما عاد محمد العريفي يرسل لي) فاتصل به الشيخ فتأكد الابن من شخصية الشيخ وتيقن وبعدها اتصلت الأم شاكرة الشيخ لما رأت من ثمرة نصيحته.
ومن ذلك أن بعضها من قبيل السنة الحسنة والدلالة على الخير .. وهذا كثيراً عندما يتولى أحد الأشخاص منصبا فتجد عدداً من أقرانه يختارون وظائف دائرته وذلك بسبب انبهارهم بمركزه وينقلب لصاحب المنصب خيراً عندما يعملون ويخدمون في وظائفهم بما يخدم الصالح العام وإن عملوا شرا فلا إثم عليه لأن الأصل أن هذه الوظائف للصالح العام وليس العكس وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم (لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل) ولذلك نجد أن أجر إقامة الحدود والقصاص ليس لابن آدم الأول نصيب من أجر ها لأن الأصل في عمله الشر.
وتتضمن المظاهر عندما تستثمر خير استثمار من الفوائد ما يضيق المقام عن عدها وما ذكر آنفاً ماهي إلا أمثلة .. وهذا الموضوع ما هو إلا كلمات يسيرة لا تفي بحجم الموضوع وأهميته.